محمد بن جرير الطبري

182

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أي ما فعلته عن نفسي ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا فكان ابن عباس يقول : ما كان الكنز إلا علما . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني ابن إسحاق ، عن الحسن بن عمارة ، عن أبيه ، عن عكرمة قال : قيل لابن عباس : لم نسمع لفتى موسى بذكر من حديث ، وقد كان معه ، فقال ابن عباس فيما يذكر من حديث الفتى قال : شرب الفتى من الماء فخلد ، فأخذه العالم فطابق به سفينة ، ثم أرسله في البحر ، فإنها لتموج به إلى يوم القيامة ، وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً قال : لما ظهر موسى وقومه على مصر أنزل قومه مصر ؛ فلما استقرت بهم الدار أنزل الله عليه أن ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ فخطب قومه ، فذكر ما آتاهم الله من الخير والنعمة ، وذكرهم إذ أنجاهم الله من آل فرعون ، وذكرهم هلاك عدوهم ، وما استخلفهم الله في الأرض ، وقال : كلم الله نبيكم تكليما ، واصطفاني لنفسه ، وأنزل علي محبة منه ، وآتاكم الله من كل ما سألتموه ، فنبيكم أفضل أهل الأرض ، وأنتم تقرءون التوراة ، فلم يترك نعمة أنعمها الله عليهم إلا ذكرها ، وعرفها إياهم ، فقال له رجل من بني إسرائيل : هم كذلك يا نبي الله ، قد عرفنا الذي تقول ، فهل على الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا فبعث الله جبرئيل إلى موسى عليهما السلام ، فقال : إن الله يقول : وما يدريك أين أضع علمي ؟ بلى إن على شط البحر رجلا أعلم منك ؛ فقال ابن عباس : هو الخضر ، فسأل موسى ربه أن يريه إياه ، فأوحى الله إليه أن ائت البحر ، فإنك تجد على شط البحر حوتا ، فخذه فادفعه إلى فتاك ، ثم الزم شط البحر ، فإذا نسيت الحوت وهلك منك ، فثم تجد العبد الصالح الذي تطلب ؛ فلما طال سفر موسى نبي الله صلى الله عليه وسلم ونصب فيه ، سأل فتاه عن الحوت ، فقال له فتاه وهو غلامه أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ قال الفتى : لقد رأيت الحوت حين اتخذ سبيله في البحر سربا ، فأعجب ذلك موسى فرجع حتى أتى الصخرة ، فوجد الحوت يضرب في البحر ، ويتبعه موسى ، وجعل موسى يقدم عصاه يفرج بها عن الماء يتبع الحوت ، وجعل الحوت لا تمس شيئا من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة ، فجعل نبي الله صلى الله عليه وسلم يعجب من ذلك حتى انتهى به الحوت إلى جزيرة من جزائر البحر ، فلقى الخضر بها فسلم عليه ، فقال الخضر : وعليك السلام ، وأنى يكون هذا السلام بهذه الأرض ، ومن أنت ؟ قال : أنا موسى ، فقال له الخضر : أصاحب بني إسرائيل ؟ قال : نعم فرحب به ، وقال : ما جاء بك ؟ قال : جئتك على أن تعلمني مما علمت رشدا قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قال : لا تطيق ذلك ، قال موسى : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً قال : فانطلق به وقال له : لا تسألني عن شيء أصنعه حتى أبين لك شأنه ، فذلك قوله : أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً فركبا في السفينة يريدان البر ، فقام الخضر فخرق السفينة ، فقال له موسى أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما ذكر أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لما قطع البحر وأنجاه الله من آل فرعون ، جمع بني إسرائيل ، فخطبهم فقال : أنتم خير أهل الأرض وأعلمه ، قد أهلك الله عدوكم ، وأقطعكم البحر ، وأنزل عليكم التوراة ؛ قال : فقيل له : إن هاهنا رجلا هو أعلم منك . قال : فانطلق هو وفتاه يوشع بن نون يطلبانه ، وتزودا سمكة مملوحة في مكتل لهما ، وقيل لهما : إذا نسيتما ما معكما لقيتما رجلا عالما يقال له الخضر ؛ فلما أتيا ذلك المكان ، رد الله إلى الحوت روحه ، فسرب له من الجسر حتى أفضى إلى البحر ، ثم سلك فجعل لا يسلك فيه طريقا إلا صار ماء جامدا . قال : ومضى